من ملفات "العالم المنسي" سفاح المعمورة: إرث الولاعة





أحجية القاتل
الحلقة الاولي أحجية القاتل


بقلم: خالد الشرقاوي

اسمي خالد الشرقاوي.

صحفي تحقيقات.

الناس بتشوف شغلي على إنه جري ورا الجرايم...

مطاردة للموت.

بس أنا بشوفه العكس تماماً.
أنا مطارد للحياة.
 بطارد الأسرار اللي أصحابها ماتوا وهما فاكرين إنها اتدفنت معاهم. 
الغباء البشري الأكبر إننا نصدق إن الموت هو النهاية، وإن التراب بيغطي كل حاجة.

آه، هو التراب هيغطي الريحة، لكن خد بالك... خد بالك إن التراب دايمًا هيحفظ الأثر.
 هيحفظ الهمسة الأخيرة.
وأنا شغلي بقى...
 إني أحفر ورا الكلام ده.
الولاعة دي مبتفارقش جيبي.
 وارثها عن جدي. 
لونها فضي مطفي، باردة، وتقيلة في الإيد، كإنها شايلة وزن أكتر من مجرد شوية غاز. بستخدمها كتير، بس مش لأني مدخن...
 لا.
ساعات بولعها علشان أحس باللسعة الخفيفة للنار على أي صباع من صوابعي. 
عشان أشم ريحة الكبريت الأولانية دي. آه... الريحة دي. الريحة دي بالذات بترجعني لحتت ياما حاولت إني أهرب منها. ريحة الدخان.
بقى لي خمس شهور بطارد كابوس جديد. "سفاح المعمورة".
ده الاسم اللي سميته له في المكان اللي بكتب فيه، "العالم المنسي". بكتب هنا لإن الإعلام العادي رفض يعترف بيه. خمس جثث. خمس أرواح اتسحبوا من الدنيا واترموا في قاع مباني مهجورة.
بس صدقوني، مش ده المرعب إطلاقاً.
المرعب هو الطريقة. القاتل ده بيستدرجهم أو بيخطفهم، مش قادر أحدد. دايمًا بياخدهم على البدرومات اللي موجودة للمباني دي. لو مفيش بدروم، يبقى الجراش. يقتلهم، وبعد كده يدفنهم. بس مش بيدفنهم أي كلام، ده بيحفر حفرة كاملة. حفرة عميقة، وبيردم عليهم كإنه بيزرعهم.
آه، كان فيه رمزية قذرة هو بس اللي فاهمها. كإنه بيقول للناس كلها: دول مكانهم تحت التراب، زيهم زي أي سر عايزين ندفنه.
خيوط واهية
أنا بكتب من بيتي للموقع. تقدروا تقولوا إن الأوضة اللي قاعد فيها بقت شبه المقبرة هي كمان، بسبب صور الضحايا المتعلقة قدامي على الحيطة. عيونهم بتبصلي.
* الضحية الأولى: محاسب في شركة استيراد وتصدير. اختفى بعد الشغل. لقوه مدفون تحت مبنى شركة قديمة.
* الضحية الثانية: دكتورة صيدلانية. عربيتها لقوها مركونة، وهي كانت مدفونة في بدروم عمارة تحت الإنشاء.
* الثالث... الرابع... الخامس...
كلهم ناس عاديين. مالهمش أعداء واضحين. مفيش رابط مادي ما بينهم. مفيش ديون، مفيش خيانات زوجية تقدر تقول إن الزوج أو العشيق هو اللي عمل كده.
الرابط الوحيد اللي قدرت أطلعه إنهم كلهم في فترة ما في حياتهم كان لهم علاقة بمنطقة المعمورة القديمة. نفس المنطقة اللي جدي، اللواء يوسف نجيب، كان ماسكها زمان.
يبان إن الرابط ده ضعيف، لكن أنا مجبر أمشي وراه. إحساسي... الإحساس اللي بيجيلي كل ما ألمس الولاعة دي، بحس إن فيه رابط ما بين كل الناس دي وبعضها. بيربطهم بالمعمورة.
التمهيد الأخير
كنت بكتب آخر تحقيق عن الضحية الخامسة. بحاول أضغط على البوليس، بحاول أحرك الرأي العام علشان يعترفوا إن فيه قاتل متسلسل.
 إن فيه حاجة دخيلة جديدة علينا. بس هما كانوا مقفلينها عليا، وبالنسبة لهم دي حوادث فردية.
زي ما قلت لكم، ده كان إحساس عندي بس إنهم مرتبطين ببعض. هزيدكم من الشعر بيت: أنا حاسس إن القاتل ده بيحضر لحاجة. الخمس جثث دول كانوا مجرد تمهيد. واحد بيرص قطع دومينو قبل ما يزق أول قطعة.
هو بيجهز نفسه على المسرح. أنا حاسس إن القاتل ده عايزني أنا. بيكلمني أنا. أنا الوحيد اللي ربطت ما بينهم وما بين المعمورة.
> الكابوس المتكرر
> بقى لي كتير بحلم بنفس الكابوس.
> بحلم وأنا طفل صغير واقف في وسط دخان كثيف أسود بيخنقني. بسمع صوت أنين وصريخ مكتوم. شايف جدي، جدي يوسف، وهو واقف قدامي، ضهره ليا. بيبص على النار القوية والشديدة دي. وكان في إيده الولاعة اللي في إيدي دلوقتي.
 كنت دايمًا أحس بالحرارة على وشي. دايمًا بحس إن الكابوس ده جزء مني. زيه زي الولاعة.

تليفون الأرضي كان بيرن. حاجة غريبة. الرقم محجوب.
محدش بيرن على الأرضي غير شخص واحد بس. الوحيد اللي معاه رقمي. رفعت السماعة، حطيتها على ودني وأنا بتكلم: "عمر؟"
"أيوه يا خالد. سيب اللي في إيدك وتعالى على موقعك في المعمورة. نفس المبنى المهجور اللي جنب المصنع القديم."
صوت عمر كان مختلف. عمر الحديدي. صديقي الوحيد اللي لسه باقي لي في الداخلية. ظابط شاطر بس بيحب يمشي جنب الحيط. هو بيمثل القانون، لكن أنا بمثل الحقيقة. وعادةً، الاتنين مش بيمشوا مع بعض. بس عمر بيلجأ لي لما الدنيا تتعقد معاه قوي. لما بيحتاج حد يبص بره الصندوق.
رديت عليه: "جثة؟ بنفس الطريقة؟"
"خالد، المرة دي الموضوع مختلف. القاتل ساب حاجة. تحديدًا... حاجة ليك. أو حاجة تخصك. لازم تيجي تشوفها بنفسك قبل ما المعمل الجنائي ييجي ويلم كل حاجة."
قفلت السكة من غير ما أتكلم. من غير أي سلام. الكلمتين دول كانوا كافيين يخلوا الدم يتجمد في عروقي. زي ما كنت حاسس. القاتل اللي بيلعب معايا لعبة كلها رموز، قرر يكسر الحاجز ويكلمني مباشرة.
مسرح الجريمة
ركبت العربية وطلعت جري على المعمورة. المكان هنا ليه هيبة غريبة. البحر مالح، الهوا رطب، وريحة المباني القديمة... ريحة عفونة ورطوبة. كنت سايق وسط الضلمة والولاعة في إيدي، بضغط على المعدن البارد بتاعها علشان أحاول أربط ما بين كل اللي بيحصل.
وصلت المكان. كان منور بكشافات البوليس الزرقا والحمرا، كإنها حفلة. وش عمر كان مصفر.
"كويس إنك جيت. كويس إنك جيت بسرعة. الجثة لسه زي ما هي. مرمية تحت."
نزلت وراه على السلالم الخشب المكسرة. ريحة التراب والعفونة خبطت في مناخيري. ريحة الموت لسه طازة. البدروم كان واسع وضلمة، ماعدا الكشافات اللي مسلطينها على الركن البعيد. وهناك، شفتها.
الرسالة
الجثة مدفونة زي الباقيين. بس المرة دي الردم كان قليل. كان القاتل مستعجل، أو كإنه كان عايزنا نشوف "العمل الفني" بتاعه بسرعة.
بس مش ده اللي عمر كان جايبني علشانه.
الضحايا الخمسة اللي فاتوا كانوا مدفونين ووشهم للأرض. الضحية دي... وشها للسما.
وعلى صدره، كان فيه ورقة. ورقة قديمة لونها مصفر، كإنها طالعة من كتاب قديم.
قربت أكتر. رجالة المعمل كانوا بيصوروا كل حاجة. عمر شاور لهم يبعدوا شوية: "بص يا خالد. إيه ده؟"
وطيت. قلبي كان بيدق، كنت سامع دقاته في وداني زي طبول الحرب. الورقة كان مكتوب عليها اسم واحد. بخط إيد مرعوش، كإنه خط طفل بيكتب وهو خايف.
كان مكتوب: "يوسف نجيب".
اسم جدي. اسم جدي مكتوب على صدر الجثة المدفونة في البدروم.
في اللحظة دي، كل حاجة وقفت. الزمن. الصوت. بيتهيألي حتى نفسي.
الخمس جثث اللي فاتوا ماكانوش تمهيد. دول كانوا مبنى بيتبني قدامي. القاتل بيطاردني أنا. أو بيطارد جدي. بيطارد شبحه اللي لسه موجود في الدنيا.
وقتها، افتكرت. افتكرت صوت النار. ريحة الدخان. الكابوس اللي مبقاش كابوس... بقى حقيقة.
 المعمورة. 1985.
شفت نفسي طفل واقف في وسط دخان كثيف بيخنقني. كان فيه مصنع قديم بيولع. النار كانت طالعة لحد السما. ناس بتصوت.
 جدي كان واقف. أيوه. بس ماكانش بيدي لأي حد أي أوامر. كان واقف ساكت، بيبص بهدوء على النار المرعبة دي.
 كان فيه راجل تاني واقف جنبه. راجل من اللي بيتقال عليهم "تقيل". من الناس اللي بتمشي المكان على مزاجها. ماكنتش فاكر شكله، مش قادر أفتكره. لكن فاكر صوته وهو بيهمس لجدي:
 "الموضوع ده لازم يتلم يا باشا. ماس كهربائي. واللي مات تحت الأنقاض ده هو اللي كان مهمل. والملف ده يتقفل."
 شفت جدي بيبص في الأرض. كان فيه واحد اسمه "منير الديب"، كان حارس المصنع. مات مدفون تحت الركام المحروق.
 شفت الراجل ده بيطلع ولاعة فضية، زي بتاعتي، بيولع سيجار وبيبتسم. وبعدين رماها على الأرض جنب جزمة جدي.
"خلي دي معاك. تفكرك باللي حصل. وبإننا كلنا في مركب واحد. فاهم؟"
 شفت جدي وقتها وهو بيوطي، وبياخد الولاعة، وبيقفل عليها إيده.

فقت من الذكرى دي وأنا واقف قدام الجثة السادسة.
إيدي كانت بتقفل على الولاعة اللي في جيبي. نفس الولاعة.
جدي مورثنيش الولاعة بس. هو ورثني دليل الجريمة.
والقاتل عارف. القاتل عارف كل القصة. عارف "منير الديب" اللي اندفن تحت الأنقاض. عارف إن جدي، اللواء يوسف، هو اللي تكتم على الموضوع كله لما الراجل ده أجبره على كده.
القاتل مش بيدفن ضحاياه. القاتل بيعيد تمثيل الجريمة الأصلية.
الخمس ضحايا اللي فاتوا... أكيد كانوا شهود. أو ساعدوا. أو شاركوا. أكيد ليهم علاقة باللي حصل في اليوم ده. والجثة السادسة اللي عليها اسم جدي... هي الإعلان الرسمي بإن اللعبة بدأت.
بصيت لعمر. كان لسه مستني مني إجابة. بس أنا هقوله إيه؟ أقوله إن جدي كان شريك في جريمة وتكتم على موضوع؟
مش كل الأسرار مكانها في القبور. ساعات، القبر بيكون هو البداية.
أنا دلوقتي مش بطارد قاتل. أنا بطارد شبح جدي.
والسؤال الحقيقي: مين هو الشخص اللي أجبر لواء في الشرطة إنه يدفن الحقيقة؟ إزاي القاتل عارف كل ده؟ وليه الولاعة الملعونة دي... لسه في جيبي؟
متنسوش ان القصة كاملة موجودة علي قناة العالم المنسي علي يوتيوب

x

تعليقات

المشاركات الشائعة